من أخـــلاق المســــلم الإيثار نموذجاً ــ نصاً وتطبيقاً

لقد أنزل الله تعالى إلينا دين السماحة على النبي الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم نصوصا شرعية (قرآن وسنه ) تتضمن أحكام ومثل وقيم وكل ما يعترض البشرية فى مسيرة الحياة موجود في الكتاب أو السنة وفى المصادرالتشريعية ( إجماع ـــ قياس ـــ مصالح مرسلة ) لتسييرالأمورالمتجددة ، فالقياس لكل أمر مشابة لكي تسيرالحياة وفق أسس ونظم فالحياة من غيرنظام وأسس ومبادئ وقوانين تحكمها تكون فوضى وخراب فالظالم يظلم ولايجد من يحاسبه وكل يعمل على شاكلته فلا يؤدى ذلك إلى التقدم والنماء بل يؤدى إلى العكس ولقد أنزل الله الدين لتنظيم الكون ، فالإسلام نظمً الحياة على مستوى الدولة والمجتمع والفرد . أما بالنسبة للتطبيق فيبدأ بالفرد سلوكا” وممارسة وتطبيقا لكل الدين وأحكامه ، وأما على صعيد الدولة فأيضاً بتطبيق الدين جملة وتفصيلا ، وأما من الناحية الاجتماعية فبتطبيق القيم الثرة الداعية لمساعدة المحتاجين وذلك بإقامة المؤسسات الخيرية وتطبيق العقوبات الحدية للمتجاوزين ولقد ورد التطبيق العملي في العديد من الآيات ومثال لذلك لقد ورد في قولة تعالى ( السارق والسارقة فا قطعوا أيديهما ) { 1} أود أن أخص نموذجا بذكر نصوصه ونمارس عليه تطبيقا ” الأ وهو خلق الإيثار تعريف الإيثار :ــــ لقد عرف الإمام ابن القيم الإيثار بأنه ( أن أتنازل عما أحب من ملذات الحياة لأجل من أحب وهو الله تعالى فأنفق الغالي والنفيس وأعطى لخلقه ما يعزعلى تقربا له سبحانه ومخالفة لهوى نفسي التي تأمرني بتحقيق كل شهواتها ولوعلى حساب الآخرين ) . نجد أن الإيثار في أعمال الآخرة مكروه لقوله تعالى ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ….){2} مثلا : إذا كانت هنالك أسرة محتاجه لاتجد قوت يومها وشخص أراد أن يتصدق فآثرآخرعلى نفسه وقدمه ليتصدق قبله فهنا من الواجب على المسلم أن يسارع في الخيرات لأن المسلم مأموربالمسارعة فى أعمال البرفلا يؤثر الآخرين على نفسه ،، أما الإيثار إذا كان في أشياء تتعلق بالدنيا فهذا يجوزوينبغي المسارعة فيه فقد يكون بالنفس أوبالمال ، قال تعالى ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) {3 } لقد نزلت هذة الآية في رجل من الأنصاروزوجته حيث أنه جاء رجل جائع إلى النبي عليه الصلاة والسلام في المسجد وطلب منه طعام فأرسل عليه الصلاة والسلام إلى بيته فلم يجدغيرماء فقال عليه الصلاة والسلام (من يضيف هذا الليلة رحمه الله فقال رجل من الأنصار أنا يا رسول الله واخذ الضيف إلى بيته ثم قال لامرأته هل عندك شئ قالت :لا الإ قوت صبياني فلم يكن عنده الإ طعام قليل يكفى صبيانها فأمرها أن تشغل أولادها وتنومهم وعند حضور الضيف تطفئ المصباح وتقدم كل ما عندها للضيف ووضع الانصارى الطعام للضيف وجلس معه حتى يشعره انه يأكل معه واكل الضيف حتى شبع وبات الرجل وزوجته وأولاده جائعين وفى الصباح ذهب الرجل والضيف إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فقال عليه الصلاة والسلام للرجل ( لقد عجب الله تعالى من صنيعكما بضيفكما الليلة ) فنزل قوله تعالى ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) ، فهذا الصحابي من النماذج المشرفه في الإيثار حيث أنه فضًل هذا الضيف على نفسه وزوجته وأولاده بالرغم من حوجتهم لهذا الطعام وترك أولاده الصغار يبيتون جوعى وليس لديه وسيلة لجلب طعام لاولاده الصغارفقام بإيثارذلك الضيف وإحضار الطعام له بنفس راضيه مطمئنه ، إنً مجتمعنا الحالي يحتاج لمثل هذا الخلق لينشأ سليما معافى مطمئناً على أن المحتاج سيجد حتما من يساعده ويقف بجانبه ، ولأهميته نزل قرآن يتلى في هذا الصحابي الجليل والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالتمسك بهذا الخلق والعمل دوماً على تطبيقه أفراداً وجماعات يجعل المحبة والوئام يسودان بيننا ولا تتفشى ظاهرة الأنانية بمختلف أنواعها والتى تؤدى الى التفريق بين البشر وتقليل أطرالتواصل بينهم ، فالإيثار بمعناه الجميل يعلمنا التواضع وأن ما فى أيدينا ليس ملكاً لنا بل نحن مستخلفين فيه فهل نرقى ونكون على قدر معنى الاستخلاف ؟ ولقد تجلت حكمة الإيثار أيضاً فى قوله تعالى {إذ قالت نملة ياايها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنودة …}{4 } فالآية بها درس عظيم لبنى البشر من كائن خلقه الله تعالى ليس لديه عقل يفكربه الأ وهو الإيثارلأن النملة لم تفكرفي نفسها وإنقاذها من الموت بل أيضا فكرت في بني جنسها من النمل وآثرتهم على نفسها بإخبارهم بان ينقذوا أنفسهم من سليمان وجنوده فهي تعلمنا درسا عظيما بان نفكر في الآخرين كما نفكر في أنفسنا بل نصل إلى أعلى درجة بتفضيلهم على أنفسنا ،،، جاءت إمرأة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ببردة هدية ورآة أحد الصحابة فطلبها من الرسول عليه الصلاة والسلام وكان الرسول محتاجا إليها وبالرغم من حوجته أعطاها لة عليه أفضل الصلاة والسلام ، فالرسول عليه أفضل الصلاة والسلام قدوتنا وبأفعاله يغرس فينا ويعلمنا خلقا من الأخلاق الاسلاميه ليرسخ ذلك بدواخلنا فينعكس ذلك على ظواهرنا بتطبيقه ، فالنفس من طبعها الأنا وحب الذات والشح ، فالإيثارمن الأخلاق العظيمة السامية التي تسمو بالنفس عاليا لتحلق في سموات عليا ولقد ربط عليه الصلاة والسلام الإيمان بالإيثار وذلك في الحديث قال عليه الصلاة والسلام {لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه }هذا فيه إشارة ودلالة من الحبيب عليه أفضل الصلاة والسلام أن خلق الإيثار إذا لم يتجسد فينا فقدإختل الإيمان فينا وذلك لربطه الإيمان بحب الخيرللآخرين وتقديم الآخرين على النفس التي من طبعها الشح ، فالصحابة أيضاً ضربوا لنا أروع المثل في تطبيقهم لهذا الخلق العظيم ففي معركة اليرموك ذهب حذيفه العدوى يبحث عن ابن عمه ومعه شربة ماء وبعد ان وجده جريحا قال له أسقيك وقبل أن يسقيه سمعا رجلا يقول آه فأشارابن عم حذيفة إليه ليذهب بشربة الماء لذلك الرجل فوجدة هشام بن العاص ولما أراد أن يسقيه سمعا رجلا آخر يقول آه فأشارإليه هشام فوجده قد مات فلما رجع إلى هشام وجده أيضا قد مات ، فلما وصل إلى ابن عمه كان أيضا قد مات ، فالإنسان حينما يقدم الآخرين على نفسه هل سيتضررمن ذلك لا بل سيكسب به رضاء الله تعالى عنه وسيجد خيرا عاجلا أو آجلا لان الآخر الذي ستؤثره على نفسك هو أيضاً يحتاج لما تحتاج إليه أنت ولو وضع كل منا نفسه مكان المحتاج لما تأخر عن مساعدة الغير وتقديم العون لهم وتفضيلهم على نفسه وحب الخير لهم فهلا طبقنا هذا الخلق العظيم إرضاء لله ورسوله ومحبة في الخير . نجد في العصر الحالي قد تفشت ظاهرة الأنانية وحب النفس وعدم النظر للآخرين ومراعاة أحوالهم ، فالأنانية مرض نفسي فلو تأصلت في النفوس لكان شرها مستطيرا ولما إنتبه أحد لغيره ولما وجد من يحتاج للعون من يساعدهـ ويمد له يد العون فهلا رجعنا لتطبيق خلق من الأخلاق الإسلامية العظيمة التي فيها صلاح الدنيا والآخرة ، لقد تجسد هذا الخلق في إمرأة في العصر الحالي ليس تحيزا للنساء ولكن على سبيل المثال ، فهذه المرأة فقيرة لاتجد سوى قوت يومها وبلغت من العمرعتيا تسكن فى مكان يخلو من متطلبات الحياة وليس لديها أحد يعولها من أهلها ولا أحد يمد إليها يد العون سوى إستعانتها بخالقها الذي يطعمها ويسقيها سمعت بالفيضانات التي اجتاحت بعض الدول كان لديها قليل من المال تدخره فأشترت به بطاطين وتبرعت به لمتضررى الفيضان وجاء إليها فى المكان الذى تسكن فيه المتعهدين بتسليم الأموال لمتضررى الفيضانات فوجدوا حالها أسوأ من متضررى الفيضانات لكنهم وجدوا صدق نيتها وإصرارها على مساعدتهم بالرغم من حوجتها فقبلوا مساعدتها لهم ،لكنهم أيضاً فكروا فى مساعدتها هي بالرغم من معرفتهم أنها لن تقبل المساعدة فتوصلوا إلى أن يساعدوها بطريقة أخرى فأبتكروا مسابقة ورصدوا لها جائزة وذهبوا إليها وأعطوها الجائزة وأخبروها بأنها قد فازت بها ولكنها رفضت استلامها وأخبرتهم بأن هناك من هو أحوج منها لذلك المال فليعطوه له وآثرت من هو أحوج منها على نفسها ، فهلا أرتقينا بهذا الخلق العظيم ووصلنا الى درجة هذه المرأة في الإيثار ،،، فخلق الايثارمن الناحية العملية يعتبرخلق يمكن أن نكتسبه وذلك من خلال تدريب أنفسنا عليه حتى يصبح خلقا متأصلا فينا ثم بعد ذلك سيتعلمه الصغار تلقائيا ، لأن الطفل يتعلم عن طريق التقليد والمشاهدة العملية خصوصا الأطفال قبل سن المدرسة ، فبذلك نكون قد أصلنا خلقا حث القرآن والسنة النبوية عليه ولقد طبقه الصحابة في حياتهم .

————————————————————————————————

{1} سورة المائدة آيه رقم ( 38 )
{2} سورة آل عمران آيه رقم ( 133 )
{3} سورة الحشر آيه رقم ( 9 )
(4) سورة النمل آيه رقم ( 18 )

آمنه جلال الدين كاتبة المقال