الزكاة ودورها الاقتصادي

بسم الله الرحمن الرحيم

الزكاة ودورها الاقتصادي

عبد الفتاح جابر

*مدخل:

           تعيش الأمة جهادها الشامل ضد تخلفها وانهيارها وتحاول التحرك والتحرر السياسي والاجتماعي نحو وجود أفضل وكيان ارسخ واقتصاد أغنى ومزدهر برفاهية ولن تجد أمامها وهي تتحرك وتتحرر سواء المنهج الإسلامي ، والإنسانية على هيئتها اليوم وبوصفها الحالي تُقاسي اشّد ألوان القلق والتذبذب بين تيارين مغلقين بقنابل الذرة والصواريخ ووسائل الدمار لن تجد لها خلاص إلا على الباب الوحيد الذي بقيَ مفتوحاً من أبواب السماء وهو الإسلام بمنهجه وقيمه ورؤيته. نُناقش هذا من خلال هاتين القضيتين ؛الأُسس الفقهية لأثر الزكاة الاقتصادي والزكاة وأثرها على إعادة توزيع الثروة.

القضية الأولى:الأسس الفقهية لأثر الزكاة الاقتصادي .

        لا يخفى على عاقل  أو متخصص مدرك اثر الزكاة الاقتصادي ، حيث أنّ الزكاة عبادة مالية تجب على جميع الأموال النامية حُكماً أو فعلاً ؛ وعليه يمكن أن نوجز هذه الأسس في:

أولا: ثبات واجبات الزكاة المفروضة على الأموال وعدم قابليتها للإلغاء أو التعديل فليس         لفرد أو سلطان التأثير على المعدلات والمقادير الواجب إخراجها أو تخفيضها أو زيادتها ؛وهي نسب معلومة في زكاة عروض التجارة أو الأنعام أو الزر وع  والثمار أو المال المستفاد.  ثانياً: يوجد حد أدنى من المال في زكاة (عروض التجارة،الأنعام ،الزر وع والثمار،المستغِلات والمال المستفاد)يتجدد بموجب الأشخاص الذين يدفعون الزكاة ، وهذا

الحد يعرف ’’بالنصاب‘‘ فهذا النصاب غير قابل للتعديل أو التغيير بالزيادة أو النقصان. فهذا المستوى المنضبط المحدد المعلوم يؤثر في المتغيرات الاقتصادية ، فهذه بدورها تنعكس إيجابا على الدور الاجتماعي .

ثالثاً: تجب الزكاة سنوياً في معظم الأموال العاملة في النشاط أو المجال الاقتصادي كرؤوس الأموال العاملة في النشاط التجاري أو مال الثروة الحيوانية ، كما تجب عند الحصول على الأموال كالزر وع والثمار التي يجب فيها عند حصادها أو إخراج المعدن ؛أي أنها تتصل بحركة النشاط الاقتصادي فحولان الحول هو دوران عام كامل على الأموال والحول أو العام هو المعيار الزمني الحسابي المعمول به لقياس الأدلة المالية ومعرفة النشاط الاقتصادي . إذ أن ربط الزكاة بهذه الحركة فيه مدلول اقتصادي .

رابعا:ً يجوز عند الحاجة العامة الضرورية تعجيل تحصيل الزكاة لعام عند ملك الزكاة كما فعل الرسول (صلى الله عليه وسلم ) مع العباس – هذا كما ذكر صاحب المغنى بن قُدامة – وجواز التعجيل هذا يعني وجود مرونة في تحديد حجم المال القابل للتوزيع من حصيلة الزكاة.

فإذا جاز تعجيل الزكاة بأخذها أيضا يجوز تأخير الزكاة عند الضرورة كانقطاع المطر ، حيث تُجبى في العام التالي كما فعل سيدنا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – عام الرمادة فاخر الزكاة عام الجدب وأخذها عن سنتين لما خصبت الأرض. ففي حالة تعجيل تحصيل الزكاة هذا يعني أنّ هناك مبلغاً مالياً (عيناً أو نقداً) تم ضخه في مجال معين من النشاط الاقتصادي وهذا لا شك يكون له أثر في الحركة الاقتصادية ، وفي حالة تأخير تحصيلها فهذا يعني انكماش مبلغ من المال من حركة النشاط الاقتصادي فهذا أيضاً له أثره السالب على الحالة الاقتصادية .

خامساً:[يجوز للدولة ممثّلةً في حاكمها أو ولي أمرها ((الرئيس)) أن تنفق على مصرف واحد من مصارفها ((عند بعض الفقهاء)) إذا اكتفت المصارف الأخرى ] فهذا التغيير في شكل مصارف الزكاة حسب المصلحة الراجحة التي يراها الحاكم يدل على مرونة في استخدام حصيلة الزكاة وتوزيعها و بلا شك يعني هذا حجم واتجاه وطلب ،وهذا يعني نشاط اقتصادي.

 سادساً: تتكفل الزكاة بنفقات جبايتها ،حيث أنّ العاملين عليها هم مصرف أصيل من مصارفها،وهذا يعني أنّ الزكاة تمثل تدفقاً وعيناً في دورة التوزيع في النشاط الاقتصادي وليس خصماً على التدفقات التوزيعية الأخرى .

سابعاً: لا يجوز صرف حصيلة الزكاة في غير المصارف المحددة لها وهذا بدوره يعني ثبات الإنفاق واستقراره وهذا يعود للمستفيد من أخذ الزكاة حيث أصبح المصدر فيه ثبات واستقرار وهذا من ناحية اقتصادية،ونُضيف هناك بعض من الفقهاء وسّع في بند (سبيل الله) ليشمل الجميع .

القضية الثانية :الزكاة وأثرها في توزيع الثروة .

         تعمل الزكاة على إعادة توزيع الثروة لضان استمرارها وللدقة في تنفيذها جعلها الله ركن من أركان الدين وتولى أمرها حتى لا تُترك للقرارات السلطانية أو الاقتصادية أو الظروف الاجتماعية أو الأهواء الشخصية وهي بهذا تتميز بالاستمرارية وعدم الانقطاع لأنها حق معلوم وثابت في المال يجب إخراجه عند استيفاء شروطه وانتفاء موانعه .

فإنّ الزكاة أساساً تستهدف معالجة الفقر في المجتمع ، فالرسول (صلى الله عليه وسلم) عندما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قال له:’’اخبرهم بان الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم ‘‘فهي بهذا لا تستهدف الحل المؤقت لمشكلة الفقر إنما تسعى للحل النهائي ، ولقد اتفق جمهور الفقهاء على أنّ القدر الذي يعطى للفقير والمسكين هو كفاية سنة . وهنا دعونا نشير إلى المذاهب الفقهية المشهورة بأقوالها :

الحنفية :  المعمول به عند الحنفية أنّ مَن ملك قدر نصاب من أي مال كان فاضلاً عن حوائجه الأصلية وملك زيادة عليها اقل من النصاب فله أن يأخذ من الزكاة بقدر حوائجه الآنية وقدروا الحاجة الأصلية بما يكفيه تماماً من الطعام والكسوة والمسكن والمركبة وآلة الحرفة وسلاح الحرب وكتب العلم لمن يحتاج إليها – هذا كما ذكر ابن عابدين في كتابه نهاية المحتاج -.

المالكية: قال المالكية يُعطي الفقير والمسكين ما يكفيهما من صنعةأو دخل راتب من ارض – هذا كما ذكر صاحب الشرح الكبير- .

الشافعية: قالوا إنّ الفقير والمسكين يعطيان كفاية سنة إن لم يكن ممن يكتسب مالاً أو ليس له حرفة .

الحنابلة : جاء عنهم أنّ الفقير والمسكين يعطيان ما يحصلان به كفاية سنة و إن كان له مال ويأكل من عائده ولكن لا يكفي فله أن يأخذ مقدار كفايته كالتاجر الذي لا تحقق تجارته ربحاً يكفيه ، والصانع الذي لا تدر عليه صنعته ما يكفيه ، وكذلك الزارع الذي لا تنتج أرضه ما يكفيه ومَن في حكم هؤلاء .

ومن هنا يمكن أن نقف مع ديوان الزكاة الاتحادي لنشير إلى سهم الفقراء والمساكين في عام 2009 م وبهذا نكون أمام نموذج عملي تطبيقي تتحدث عنه الإحصاء الرقمي.

لقد بلغ نصيب الفقراء والمساكين لعام 2009م [299.9] مليون جنيه سوداني ما يعادل[ 147] مليون دولار  بنسبة صرف بلغت [93.6%] من إجمالي الجباية واستفاد منها عدد [1.595.322]مليون وخمسمائة وخمسة وتسعين ألف وثلاثمائة اثنين وعشرين أسرة.

* فهذا شاهد واضح ودلالة تعمل في دفع الاقتصاد وتنميه وبذلك نحصل على البركة والرضا وعظيم الثواب لكلٍ من دافع الزكاة ومتلقيها فالمال طيب والله يقبله ويباركه وينميه .