مستقبل الدعوة الاسلامية في السودان

مقدمة:

إن مستقبل الدعوة الإسلامية في السودان يعد نموذجاً لدعوات أخرى في كل العالم، ولكنه يتفرد عنها بأنه قد اتيح له  أن يستظل بنظام سياسي خلال فترة تزيد على العقدين.

إن الدعوة التي يعجز فقهها عن الانتقال من مرحلة الصفوية إلى مرحلة الجماهيرية، سوف تكون أكثر عجزاً عندما تتحول إلى دولة؛ بل وتكون أشد عجزاً عندما ينتظر منها أن تقدم  خطاباً عقدياً وفكرياً وسياسياً لكل العالم؛ ولهذا لابد من مراجعات فقهية وفكرية وهيكلية وتنظيمية لمناهج الدعوة على كل الصعد؛ كي تضمن الدعوة حيوتها ونشاطها وهي تنتقل من مرحلة الصفوية إلى الجماهيرية، ومن الجماهيرية إلى الدولة، ومن الدولة إلى العالمية؛ لإعادة الحضارة الإسلامية الجامعة بين الأصل والعصر.

وتظل العقيدة هي حجر الزاوية لبناء الفرد والجماعة والدولة والأمة؛ وهي مثل  فقه المعاملات والعبادات تحتاج إلى تجديد لا في نصوصها ولا قضاياها ولكن في وسائل شرحها؛ وضبط ما يظهر من عقائد جديدة

 المحور الأول: الجانب العقدي

إن العقيدة هي الأصل في تشكيل نظرة الإنسان إلى العلاقة بينه وبين الله والكون والحياة؛ وكل من شكل وجوهر الحياة الدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية بل وحتى العلاقات مع البشر ؛ كل ذلك يتحدد بناءً على عقيدة الفرد.

ومن هنا لابد للعلماء من تجديد وشرح المفاهيم العقائدية بلغة عصرية مبسطة؛ وألا تكون الأمة أسيرة لمفاهيم تاريخية؛ ولا رهينة لعقائد قديمة ظهرت في ثوب جديد.

من الملاحظ أن هناك ضبابية في كثير من قضايا العقيدة ترتب عليها انحرافان في اتجاهين متعاكسين؛ فالعقدية الشيوعية والعلمانية وغيرها ما زال حكم من يعتنقها وهو يدعى الإسلام غير واضح؛ وفي الاتجاه الآخر ظهرت حركات تكفيرية أخرجت كثيراً من أهل القبلة من دائرة الإسلام.

أولاً: نحن والآخر

تحتاج الدعوة الإسلامية في السودان بصفة خاصة وفي العالم الإسلامي بصفة عامة أن تجري مراجعات في كل ما كتب  عن موضوعات العقيدة خاصة عقدية الولاء والبراء؛ وما يتعلق بفهم توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات؛ لأن كل ما كتب عن هذه الموضوعات العقدية كان متأثراً بترجمة كتب الإغريق والرومان والفرس، وإن كثيراً من الصراعات العسكرية والفكرية مع الأمم الأخرى، عبر التاريخ، كانت متأثرة بتلك المفاهيم.

إن حتمية وصول الحركات الإسلامية إلى سدة الحكم بعد هذه الثورات سوف يفتح الباب على مصراعيه لمناقشة هذه القضايا؛ وسوف يحاول التيار السلفي نبشها من جديد في صراعه مع الحركات الإسلامية الأخرى؛ ليحدد بناء عليها شكل العلاقة مع الآخر؛ فلابد من إعادة قراءة هذه المفاهيم على ضوء الواقع الجديد الذي يقوم على علمانية تنكر كل الأديان.

سوف ينتقل خطاب الدعوة الإسلامية إلى العالمية بسبب هذا الواقع الجديد؛ وسنجد أن الآخر والذي حسب آخر إحصائية، يبلغ عدده 5 مليارات بينما يقترب عدد المسلمين من مليارين؛ سنجد هذا الآخر له ذهنية مشبعة بصورة خاطئة عن الإسلام والمسلمين رسختها عوامل تاريخية، وتصرفات من بعض الجماعات التي تؤمن بنفي الآخر في هذا العصر. ( تداعيات أحداث 11/ سبتمبر).وقد ظهرت جلياً مظاهر الكره لكل ما هو إسلامي في إعلامهم المسموع والمكتوب وصلت حد السخرية من الأنبياء بصفة عامة ومن النبي    بصفة خاصة في شكل رسوم كرتونية؛ وظهرت في أفلامهم؛ بل وأصبحت قضية المسلمين أحد مشروعات البرامج الانتخابية في كثير من بلاد الغرب.

إن على العلماء والمفكرين أن يتناولوا قضايا الولاء والبراء بكل جرأة وذهنية منفتحة؛ وأنه لا إكراه في الدين، وكتب التراث مليئة بالأفكار التي تتناسب مع هذا العصر.

صحيح أن ذهنية الآخر تحمل عواطف ومشاعر الكره لكل ما هو إسلامي؛ ولكن الصحيح أيضاً أن عجز علماء الأمة عن طرح قضايا العقيدة التي تحدد العلاقة مع الآخر فيها قصور، وتصورات خاطئة؛ وهذا هو التحدي الذي يواجه الدعوة الإسلامية في السودان، وهي تتجاوز العقدين من عمرها، وتحكم دولة فيها تعددية دينية وثقافية وفكرية.

ثانياً: نحن ونحن:

تأسست عقيدة الشعب السوداني على المذهب الأشعري في المجال العقدي، وعلى المذهب المالكي في المجال الفقهي؛ هذا هو عين ما يحدث في المغرب العربي؛ ربما كان السبب في ذلك  هو أن علماء الأزهر والشناقيط، وشيوخ الطرق الصوفية هم الأساس في نشر الإسلام في السودان؛ ولم يشهد السودان لوقت قريب أي مذهب آخر منافساً للمذهب الأشعري؛ ولكن بعد ظهور الجماعات السلفية في السودان، وإرسالها لبعض كوادرها إلى المملكة العربية السعودية للدراسة، بدأ ينتشر مذهب أهل السنة والجماعة بفهم هذه الحركات؛ وهو فهم يقوم على اعتبار أن المذهب الأشعري باطل؛ صحيح قد تراجع بعض علماء المملكة عن القول ببطلان المذهب الأشعري؛ ولكن الكثرة الغالبة لا ترى ذلك؛ وقد تأسس خطاب التيارات السلفية في السودان بصفة خاصة وفي العالم الإسلامي بصفة عامة على أساس فساد العقيدة الأشعرية.

وشرعت هذه الجماعات السلفية في محاصرة كل المؤلفات التي طبعتها من قبل واتضح أنها لعلماء أشاعرة؛ فمثال ذلك كتب محمد على الصابوني وفي مقدمتها صفوة التفاسير، فبعد أن طبع بكميات كبيرة شرعوا في سحبه من الأسواق بحجة أنه يؤل آيات الأسماء والصفات.

ويعد تفسير سيد قطب هدفاً لهجمات التيارات السلفية؛ بل توضع الخطط لتقديم محاضرات في العقيدة في موسم الحج بصورة دقيقة ومنظمة لكل المسلمين القادمين لبيت الله؛ بحجة أن الإسلام هو شرط وجوب صحة في الحج؛ وأن هذه الجموع الهادرة أشعرية بالتالي تحتاج إلى تصحيح عقديتها ليصح حجها ويقبل؛ بل الحج موسم لنشر مذهب أهل السنة والجماعة.

لقد تمدد هذا الجدل في الجامعات الإسلامية بين التيار السلفي والتيار الصوفي، واشتد التنافس على مستوى التعيينات؛ وغالباً ما تشهد ساحات الجماعات سواء في القاعات أو أركان النقاش إثارة هذا الصراع.

لقد جرت عمليات تنقيح لكثير من كتب علماء المسلمين في مقدمتهم ابن تيمية من قبل التيارات السلفية؛ لحذف كل ما لا يتوافق مع أطروحات هذا التيار؛ مثال ذلك رأي ابن تيمية في أن النقاب لبسه لا يعد من الواجبات. وفهمه لمعنى البدعة، ومنهجه في الحكم على الطرق الصوفية، وغير ذلك.

إن مستقبل الدعوة الإسلامية يكمن في مدى قدرة العلماء والمفكرين في إيجاد أرضية مشتركة تجمع الطوائف الإسلامية بالرغم من اختلافاتها حول قضايا الأمة المصيرية، وتنطلق بالدعوة من دائرة خلاف الفروع إلى بسط قضايا الأصول حتى تصبح فهماً وعلماً ومعرفة للجماهير ومن ثم مادة للخطاب العالمي الذي يؤسس لعودة الحضارة الإسلامية الجامعة بين الأصل والعصر.

المحور الثاني: الجانب الفقهي

ستظل النظرة السطحية لفهم نصوص الكتاب والسنة من أكبر العقبات في طريق الدعوة الإسلامية؛ ولعل من أخطر المفاهيم التي أعاقت الإبداع والاجتهاد، الفهم المغلوط لمعنى البدعة، ويلاحظ أن الحركات الإسلامية يوجد فيها من يحمل الفكر السلفي وهو فكر مصاب بالقصور في نظرته تجاه البدعة، واستطاع أن يسد باب الاجتهاد وتطوير أساليب العمل الدعوي بسبب فتواى فقهية بحجة أنها بدعة.

إن الدعوة الإسلامية وهي في طريقها من مرحلة الصفوية إلى الجماهيرية ومن الجماهيرية إلى الدولة، ومن الدولة إلى العالمية؛ لا ينبغي لها أن تتعصب لمذهب فقهي بعينه؛ فتكاد تكون كل المذاهب الفقهية قد دخلت السودان، فالمذهب المالكي، وهو الأوفر حظاً- خاصة في فقه العبادات، أدخله أهل التصوف؛ والمذهب الحنفي أدخله الأتراك في فترة حكمهم خاصة في القضايا الشخصية والجنائية؛ والفقه الشافعي أدخله علماء السودان الذين درسوا في الأزهر، وفي مقدمتهم مؤسسي حركة الإخوان المسلمين؛ ومثال ذلك كتاب سيد سابق( فقه السنة)، والفقه الحنبلي أصبح واقعاً بعد دخول وتمدد التيارات السلفية في السودان.

وبناء على هذا الواقع فإن مستقبل الدعوة الإسلامية في هذا المجال؛ ولكي يحقق العالمية، عليه أن يختار منهج المزج والانتخاب بين هذه المذاهب بما يتواكب مع تطورات العصر؛ فمجمع الفقه الإسلامي، وهيئة علماء السودان، والجامعات الإسلامية، وغيرها من المؤسسات ذات الطابع الدعوي، يجب عليها أن تعيد النظر في مناهجها وهياكلها وأساتذتها لتحقق هذا المزج والانتخاب؛ وإلا يكون الخطاب الفقهي متخلفاً وموغلاً في المحلية والتقليدية.

إن من مظاهر الردة والتخلف ألا تستفيد الدعوة الإسلامية من مؤسسات الدولة في بسط الفقه القائم على الاختيار واتباع الدليل؛ والتجربة السودانية أثبتت أن الجامعات الإسلامية استطاعت أن تخرج كثيراً من العلماء في مجال التشريع الإسلامي لهم علم وفقه بمقاصد الشريعة والفقه المقارن وأصول الفقه؛ وقد أجريت دراسة، أجرتها الأجهزة الأمنية في السودان، أثبتت أن الفكر المتطرف يكثر في الكليات العلمية؛ بينما يكاد يكون منعدماً في الجامعات الإسلامية؛ ولعل مرد ذلك إلى تلك المواد سالفة الذكر، وهي مواد تساهم في التحصين الفكري والعقدي.

إن هذه المؤسسات استطاعت أن ترفد الأجهزة القضائية والعدلية بكوادر ممتازة؛ بل واستفادت من هذه الكوادر كثير من دول العالم الإسلامي، وهذا في حد ذاته توع من الانتشار الدعوي؛ وإن كانت التجربة تحتاج إلى مزيد من التجديد والابداع؛ وهذا الذي أشرنا إليه يمثل قمة استفادة الدعوة من مؤسسات الدولة.

ويقاس على ذلك المجال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي؛ إذ بلغت عمليات التأصيل والتأليف في هذه المجالات على مستوى الدراسات الدنيا والعليا شوطاً بعيداً.

ومثل هذا التغلغل والانتشار للفقه الإسلامي، يعد شكلاً من أشكال العلاقة بين الدعوة والدولة؛ فليس بالضرورة أن يكون أصحاب العمائم على قمة الجهاز السياسي، طالما أن منهج الدعوة ومشاريعها وبرامجها وجدت طريقها في مؤسسات الدولة واستفادت من إمكانيتها المادية والبشرية.

صحيح أن السياسي الفقيه المفكر يكون أكثر تأثيراً، ولكنا في عصر المؤسسات، ولا معنى أن يكون السياسي شيخاً أو الشيخ سياسياً.

إن بعض السياسيين يظن أن الفقه يحد من حركة السياسة؛ لأنه يقوم على التحليل والتحريم، بينما السياسة تقوم على البراغماتية؛ وهذا فهم خاطئ، ففي فقه السياسة الشرعية وفقه الضرورة ما يرفع الحرج؛ وما كرس هذا الخوف هو قصور فهم بعض الدعاة والفقهاء، وضمور فقه الدولة؛ فقضايا القروض الربوية، ومفهوم المواطنة كأساس للحقوق والواجبات، وغيرها مثلت وما تزال تمثل العقبة الصعبة للعلاقة بين الدعوة والسياسة.  ( 1)

المحور الثالث: الجانب الاقتصادي.

في الدول التي بلغت مرحلة السلطة يجب أن تكون الدعوة وأنشطتها الاقتصادية لا علاقة لها بالدولة؛ بل لها مشاريعها الاقتصادية الخاصة، والذين يتفرغون للدعوة لن ينجحوا إن لم يكن لهم من المال ما يغنيهم عن سؤال الناس، ويمكنهم من الإحسان إلى إخوانهم؛ فإن الإحسان هو أوسع وأنجع أبواب الدعوة إلى الله.

والدعوة التي يأتيها أصحابها لتكون وسيلة للرزق سوف لن يقبل عليها إلا ضعاف النفوس؛  وأصحاب القدرات المتدنية.

المحور الرابع: الوسائل والأساليب.

إن أساليب ووسائل الدعوة فيها الثابت والمتطور، وهي من الموضوعات القليلة التي تجري فيها مراجعات؛ فإن فيها ما هو ثابت مثل ثبات العقيدة والقيم ومنها ما هو قابل للتطور.

فهذه الوسائل والأساليب يجب بناءها على معرفة عميقة تقوم على تشخيص ودراسة المجتمع السوداني بصفة خاصة والمجتمع الإسلامي بصفة عام؛ فليس كل مكونات المجتمع السوداني هي في مرتبة المجتمع المكي؛ ولا كلها في مرتبة المجتمع المدني؛ وبتالي الموضوعات الدعوية التي تقدم لأحياء مثل الرياض والمنشية والطائف ليست هي  التي تقدم إلى المناطق الطرفية والريف؛ لا في كنهها ولا أساليبها؛ وقل مثل ذلك في الولايات.

والموضوعات والوسائل والأساليب الدعوية في مرحلة الصفوية ليست ذاتها في مرحلة الدولة والخطاب العالمي؛ فهل مؤسسات الدعوة بمختلف أنواعها الرسمية منها والمجتمعية تجري مراجعة لموضوعاتها ووسائلها وأساليبها وفق خطة استراتيجية محكمة وممرحلة، قابلة للرصد والمراجعة والنقد والتقييم والتقويم؟!!!.

يختلف الدعاة حول إمكانية الاستفادة من أدوات ووسائل وتكتيكات الآخر ؛ فبينما يراها بعض الدعاة أنها تتناقض مع الفكر والثقافة الإسلامية يراها آخرون أنه يجوز الأخذ بها طالما أنها وسائل تؤدي إلى الغايات؛ ولو من باب الاضطرار؛ ومن ذلك أسلوب توظيف النفوذ الإعلامي والسلطة المالية والاستفادة من المشاعر الدينية في تحقيق أهداف الدعوة.

توجد مواقع كثيرة على الانترنت تعكس مجهوداً ضخماً للدعوة؛ ولكن هزالة المنهج وكثرة الحشو، والافتقار للطرح العلمي المقنع هو ما يميز كثيراً من هذه المواقع؛ بل ذات الاختلافات الفرعية اتخذت من هذه الوسيلة الفاعلة منصة للترويج، وساحة جديدة للمعركة التقليدية بين الشيعة والسنة، وبين التيارات السلفية والجماعات الصوفية؛ وعليه فإن مستقبل الدعوة الإسلامية في استخدام الوسائل الحديثة يقوم على مراجعة وتطوير شكل ومادة المواقع التي فيها الدعوة على الانترنت.

المحور الخامس: العلاقة بين الدعوة والدولة:

    تحديد شكل العلاقة بين الدعوة والدولة يعد من المعضلات التي واجهت حركات الإسلام السياسي التي وصلت إلى السلطة، وتتمثل تلك المعضلات في عدة أسئلة منها: أليس ذوبان الدعوة في السلطة يجعل الدعوة تتحمل الانتقادات حول قضايا ملحة تؤرق المواطن مثل الفقر والمرض والبطالة؛ وبالتالي يذهب بريق الدعوة ويتحول الدعاة إلى مربع الدفاع عن إخفاقات الساسة؟ وبالتالي يغيب عنصر القدوة؟؛ ولعل هذا الذي دفع كثيراً من أئمة الإسلام مثل الإمام أبي حنيفة والإمام مالك إلى رفض المشاركة في الحكم حتى على مستوى القضاء.

ومن جانب آخر أليس ابتعاد الدعوة والدعاة عن السلطة يفوت عليهم وسائل وآليات كثيرة كان يمكن الاستفادة منها في نشر قيم الدعوة؟ بل ومكوث الدعوة والدعاة بعيداً عن السياسة ألا يعد ذلك شكلاً من أشكال العلمانية؟ أم أن مجمع الفقه الإسلامي، وهيئة علماء السودان، وهي مؤسسات غير رسمية، ووزارات التوجيه والإرشاد والأوقاف وما يتبع لها من مجالس وهيئات، تعد شكلاً  من أشكال تمثيل الدعوة والدعاة في السلطة؟.

وهل نظرية ولاية الفقيه تمثل أحد أشكال العلاقة بين الدعوة والسلطة بالرغم مما فيها من مثالب؛ فإن النقد الموجه لها أنها تجعل القرار الأخير في يد المؤسسة الدينية؛ وبالتالي لا معنى لمؤسسات الدولة والحزب طالما أن المرجعية الأخيرة  والحاكمة هي في يد رجال الدين؟.

أم أن العلاقة التي تقوم بين آل سعود ممثلين للجانب السياسي وآل الشيخ ممثلين للجانب الدعوي هي النموذج الأمثل للعلاقة بين الدعوة والدولة؟!!!. إن من أقوى أسباب انشقاق جماعة السنة المحمدية في السودان هو الأزمة الفكرية حول جدلية الدين والسياسة، فبينما يرى الجناح الذي شارك في السياسة أن المشاركة أمر شرعي وضرورة بشرية، وفرصة للاستفادة من وسائل الدولة في التغيير، يرى الجناح الآخر أن الجماعة هي جماعة دعوية ولا علاقة لها بالسياسة، وإن التوغل في وحل السياسة يذهب بريق الدعوة؛ بل هو شكل من أشكال البدع المحدثة المفضية إلى الضلال والنار.

وتواجه كثير من جماعات الدعوة في العالم بعد الربيع العربي ذات المعضلة المتمثلة في جدلية الدين والسياسة؛ ولعل جماعة الإخوان في مصر استطاعة أن تتجاوز هذه الأزمة بحكم تجربتها التنظيمية والدعوية؛ إذ كونت حزباً سياسياً ( العدالة والحرية) ليمارس الجانب السياسي ويتولى أمر الدولة إذا كتب له الفوز في الانتخابات التشريعية والرئاسية؛ وهو حزب يشمل حتى غير المسلمين؛ لأن الجماعة ارتضت فكرة الدولة المدنية ودولة القانون ولا تمانع أن تكون المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات، وقد وفرت على نفسها كثيراً من الجدل وقطعت الحجة على فصائل العلمانية وآلة الإعلام الغربي والصهيوني؛ وقد استفادت من تجربة الحركة الإسلامية في السودان؛ خاصة اتفاقية السلام( نيفاشا).

إن وجود الدعوة خارج السلطة وأن تكون هي المرجعية للدولة وحاكمة عليها هو الأمر الطبيعي الذي يمكن الدعوة من الانطلاق؛ ولكن ذوبان الدعاة وليس الدعوة في الدولة واختفاء التنظيم الذي يعد هو الدنمو المحرك للدولة يجعل لكل مسؤل في الدولة سلطة مطلقة ويغيب عنصر المراقبة.

إن وجود الدعوة في السلطة يمكن للسياسة أن تبنى على الفكر قبل وأثناء وبعد وقوع الفعل السياسي؛ وذلك هو الذي سيمكن الدعوة من تقديم تجربة الحداثة الإسلامية وهي تجربة تمكن الهوية الإسلامية من تلوين الحكم وتأصيله.

ولا يقتضي ذلك أن تكون للدعوة مؤسسات سياسية موازية لمؤسسات الدولة، وهذا الأمر لا ينطبق على المؤسسات الاجتماعية، ولكن ترفد الدعوة  الدولة بتنفيذيين وسياسيين ومشرعين لهم قدرة على الجمع بين العلم الشرعي والفكر وعلم السياسية والإدارة؛ ولعل هذا ما أشار إليه ابن تيمية وهو يقارن بين نظام الحكم في المدينة ونظام الحكم في العراق وكلاهما نظامين إسلاميين ولكن يختلفان من حيث العمق والقرب والسطحية والبعد عن المزج بين السياسية والفكر والعلم والمعرفة (يرى ابن تيمية أن تجربة الحكم الناجحة والتي جمعت بين السياسة والدين هي التي قامت في فترة الخلفاء الراشدين حيث كانت السياسة خادمة وحارسة للعلم والمعرفة المستمدة من الكتاب والسنة، وأنجح تجربة بعد عهد الخلفاء الراشدين، هي  مذهب وأصول أهل المدينة؛ فقد تولد منها العدل الذي ظهر في كل مصر طبق ذات المنهج، بخلاف منهج أهل العراق الذي فصل بين السياسة والدين.؛ فقوام الدين كتاب يهدي وسيف ينصر؛ وبهذا الجمع وحده بين السياسة والعلم والحاكم والعالم يكون أمر الإسلام قائماً، وبقدر ما يحدث من افتراق بين الأمرين يكون غياب الإسلام.( ينظر؛ ابن تيمية، الفتاوى، 20/ 393).

فلا ينبغي لقضايا السياسة ولا الاجتماع ولا الاقتصاد أن تبنى قبل ولا أثناء ولا حتى بعد المراجعات بعيداً عن العلم والمعرفة والفكر والأدب؛ وإلا تحولت السلطة إلى صنم يعبد من دون الله، وأصبح العاملون بهذه المجالات أقرب إلى الآلة، وبدلاً من أن تكون الدنيا بكل مؤسساتها خادمة لهم يكونوا هم قد تحولوا إلى خدم وعبيد لها كما يقول علي شريعتي ( كنا نركب البص لنذهب إلى طهران؛ والآن نذهب إلى طهران لنركب البص) والمعنى أن الشخص الذي لا يضفي على مؤسساته قيم ومعاني وعلم ومعرفة وأدب يكون قد تحول إلى آلة جامدة صماء.

المحور السادس: الهيكلة والتخطيط

ربما تكون مشكلة الدعوة في هياكلها  وأنظمتها وقوانينها ولوائحها؛ وربما تكون أزمتها أزمة أخلاقية تتعلق بالعاملين بها، ففي الحالة الأولى تكون هياكلها متخلفة وتقليدية لا تخضع للمراجعة والتطوير بناء على المستجدات؛ والوضع الصحيح هو أن تتم مراجعة شكل الهياكل بناءً على التحديات فالجماعات التي تجمد هياكلها على شكل واحد يتجاوزها تيار التغيير والتقلبات التي ليس لها قرار وأما إن كانت الأزمة هي أزمة أخلاق فإن تفعيل الشورى وتكثيف البرامج الدينية التي تتعلق بالتربية يمكن أن تحد من الأزمة الأخلاقية.إن كثيراً من مشاكل الدعوة تتعلق بحب الحياة المتمثل في السلطة والثروة.

([1] ) ينظر: المعركة بين د/ القرضاوي وعلماء المغرب حول  سلفيات العقار؛ ومعركة البرلمان السوداني حول قروض السدود والمطار؛ والجدال حول اتفاقية نيفاشا التي اعتبرت المواطنة أساساً للحقوق والواجبات والتي سوف تشكل أزمة في الجمهورية الثانية.